القراءة المبتسرة لأي موضوع أو قضية تؤدي حتما الى التشويش الذي يقود الى سيادة المغالطات وبالتالي ضياع الحقيقة وطمسها.

ما أدلى به الدكتور غسان سلامة من أفكار حول الخطوات القادمة التي تعتزم البعة الأممية اتخاذها في الشأن الليبي أثارت زوبعة في فنجان من الذين لا يريدون الاستقرار بالدولة الليبية أو على أحسن الفروض فهموا الأمور فهما خاطئا نهجا لثقافة الاعتقاد في نظرية المؤامرة .

البعثةالأممية للدعم في ليبيا جاءت بها الظروف السيئة التي آلت اليها الأمور بعد انهاء النظام السابق والخصامات التي تفجرت وانداحت بين الفرقاء الليبيين في من يستحوذ على البلاد ويحكمها. ولولا هذه الظروف السيئة ما كنا في حاجة الى بعثة أممية تدعونا الى انتهاج هذا الطريق أو خلافه.

على هذا الأساس أنا أنظر للبعثة كجسم استشاري نستعين به للتوفيق بيننا نحن الاخوة الأعداء أبناء الوطن الواحد ولا نعترف ببعضنا البعض.

على مدى السنوات الماضية كنا نوجه الانتقادات للمبعوثين الذين توالوا على ادارة البعثة . وكنا نلاحظ خضوع بعضهم للضغوطات من دول خارجية . كان برناندينو ليون نموذجا صارخا لخيانته للأمانة التي كلف بها . وكان كوبلر متواطئا مع من يدمر ليبيا بانحيازه الى عملية الكرامة من جهة واحتفائه بالخارج على القانون ابراهيم الجظران من ناحية أخرى وقلت له في اجتماع بالمكتب الرئاسي للمجلس الأعلى للدولة ورؤساء اللجان عام 2016 باالحرف الواحد: (أنا محبط يا سيد كوبلران لم أكن متشائما هذا الاتفاق السياسي مصيره الفشل). واستضردت في شرح الأسباب.

عندما جاء الرئيس الحالي للبعثة كان أداؤه في البداية ضعيفا وفي بعض الأحيان سيئا من وجهة نظرنا لأنه اعتمد على ما كان يقرأه عن الصراع في ليبيا وليس على ما هو حقيقي ويدور على أرض الواقع. وقد ووجه هو الآخر بانتقادات موضوعية حادة. ولعل الرجل نجح الى حد كبير في اعاد التوازن للبعثة الأممية  في الأشهرالماضية لأنه تبنى فكرة الاستماع للجميع بموضوعية ودون تحيز.

أريد أن أقول أن الخطوات التي أعلن عنها الدكتور سلامة خلال زيارته الأولى للجنوب الليبي ليست من بنات أفكاره أو أنها املاءات يريد فرضها . قراءتي لها مختلفة عن الذين يسوّقون لنظرية المؤامرة والوصاية. 

أنا أرى أن ما قدمه سلامة من أفكار هو حصيلة الأفكار التي استمع اليها بصبر أيوب من كافة الأطراف المتنازعة من الليبيين وبالتالي فهي استنباط لما أجمع عليه أغلبية الليبيين من أفكار عقلانية لحل أزمتهم. وان كان هناك من يلام فهم الاطراف التي تقدمت بالحلول العملية والسلمية في آن واحد وأنا أحدهم!!

هذا الرأي ليس دفاعا عن البعثة الأممية ولا عن رئيسها الدكتور غسان سلامة ولكنه رؤيتي لما كان ولا يزال يحدث من تعقيدات تبحث عن حلول لم نتمكن بمفردنا من التوصل اليها ولذلك استوجب الأمر الاستعانة بوسيط يوفق فيما بين أغلبيتنا وليس كلنا . فارضاء الجميع بلا استثناء ولو لفرد واحد غاية لا تدرك وأمر مستحيل التحقق. 

منذ أكثر من سنتين وصوت الشارع الليبي ترتفع وثيرته مطالبا بانهاء الأجسام الثلاثة التي انبثقت عن اتفاق الصخيرات لأنها أصبحت هي المشكلة وهي التي تؤزم الأمور.

مجلس النواب لم يحترم توقيعه على الاتفاق وبدأ يخترع العراقيل لاعاقته ونجح في ذلك.

المؤتمرالوطني العام قام بما هو مطلوب منه فضمن الاتفاق للاعلان الدستوري وتحول الى المجلس الأعلى للدولة ولم ينتهك أي من نصوص الاتفاق.

المجلس الرئاسي لم يعرف حجمه ودوره الحقيقيين فاختطف الاتفاق السياسي لنفسه واحتكره وأصبح هو الاتفاق السياسي وهوالسلطتين التشريعية والتنفيذية . وزاد في تأزم الأوضاع ولا يزال يناور للاستمرار عبر تغريدات كبير مستشاريه.

البعثة الأممية حاولت مع مجلس النواب لأن يصحح من أوضاعه . وعندما اجتاحها اليأس والاحباط بدأت تلوح بامكانية اجتيازه.

شعر مجلس النواب بالخطر فتواصل مع مجلس الدولة لانقاذ بقائه في السلطة على أساس اجراء تعديلات في السلطة التنفيذية فقط بالتوافق بين المجلسين. 

انطلت الحيلة على بعض أعضاء مجلس الدولة واعتقدواأن مجلس النواب المنقسم على نفسه قد عاد له رشده ولم يدركوا أن النواب كان يقرأ قراءة مبتسرة للاتفاق السياسي ياخذ منه ما يشاء عند الحاجة لكنه في الأصل لا يعترف به.

تلك كانت  قراءتي للمشهد وبناء عليها تقدمت لمجلس الدولة في اواخر 2017 بمبادرة لتبنيها تحت شعار ( التعايش السلمي بين الليبيين لا غالب ولا مغلوب) واقترحت فيها انهاء الأجسام الثلاثة المتناكفة والمتصارعة على السلطة بانتخاب جسم تشريعي جديد استنادا الى القانون الذي تمت به انتخابات عام 2012. حينها ووجهت بالتشويش أثناء قراءتي لها وأحيل المقترح الى اللجنة القانونية لابداء الرأي وهناك قبر. وقد نشرتٌه في الصحف الالكترونية لاطلاع الرأي العام عليه.

ماذا بقي من اتفاق الصخيرات يمكن للمناكفين أن يتذرعوا بالتمسك به؟

مجلس النواب ما زال يصر على رفضه لاتفاق الصخيرات وعدم اعترافه بحكومة الاتفاق؟

مجلس النواب لا يعترف بمجلس الدولة الا عند الحاجة التي تخدم أغراضه من باب القراءة المبتسرة.

مجلس النواب يتجاهل مشروع قانون الاستفتاء الذي قدمه له مجلس الدولة . ومجلس الدولة لم يدافع عن ما قدمه.

مجلس النواب يقر تعديلين دستوريين وقانون الاستفاء على مشروع الدستور صمم عمدا لرفضه و بالتالي انهاء الهيئة التأسيسية للدستور لتؤول كافة الاختصاصات لمجلس النواب وحينها ينقضّ لالغاء مجلس الدولة واقالة المجلس الرئاسي وحكومته ويستحوذ منفردا بالسلطة.

ما لم يدركه الكثيرون أن ذلك كان مشروع انقلاب استنادا الى مشروعية دستورية ولو كانت مؤسسة على أساس تأمري مع سبق الاصرار والترصد؟

عندما يصل الحال الى هذا النوع من التآمر على ارادة الشعب من مجلس يفترض أنه يمثلها. لا بد إن ندرك أن البلاد يحيق بها خطر كبير, 

كيف نفسر موقف من يدعو الى انتخابات رئاسية في الوقت الراهن ما لم يكن شريكا في المؤامرة أو صاحب مصلحة في تعطيل الدستور؟

أي وضع هذا يرضاه عاقل للتحول بالدولة الليبية من دكتاتورية عسكرية انتهت الى دكتاتورية عسكرية أخرى أو دكتاتورية مدنية قادمة يخطط لها بعناية من بعض دول الجوار.

أنا أرى أن الوضع الراهن الملتهب بالخصومات والعداوات لا يسمح بالمطلق بانتخابات رئاسية لأن الطامعين في تولى رئاسة البلاد ويروجون لها غير أكفاء ولا يلبون ما يأمله الليبيون من دولة مدنية عصرية تكون عضوا مشرفا في الأسرة الدولية . هؤلاء سيقودوننا الى ما هو أسوأ. الى الانقسام الحتمي, والكتاب يقرأ من عنوانه كما يقولون.

الرضا بقانون معيب للاستفتاء على مشروع الدستور صمم ليكون الاستفتاء بالرفض أعتبره خيانة لارادة الشعب الليبي. وعندما يأتي هذا الرضا من أساتذة في القانون لا نملك الا مقاومتهم لأنهم لا ينحازون للقوانين والأعراف الصحيحة وانما ينحازون للخطأ بل ولخيانة الأهداف السامية. ولا يمكن لقانوني يحترم القانون أن يرضى بقانون معيب بحجة ( معلشي ) خللي الأمور تمشي!!

التحول من الثورة الى الدولة يحتاج الى تأني والى صبر والى تفكير عميق للوصول الى ما يخدم الدولة المستقرة ولا يتسبب في تعطيلها أوخلق منازعات جديدة في المستقبل.

أعيد وأكرر ما كتبت فيه المقالات والتغريدات خلال أكثر من سنة.

نحن الأجسام الثلاثة قد فشلنا بسبب الخلافات الحادة والقاتلة لطموحات الشعب فيما بيننا ولا يمكن أن يأتي الحل منا الا باعادة الأمانة للشعب الليبي وخلاف ذلك من اختراع تبريرات وحلول يدخل ضمن مساعي اطالة عمر هذه الأجسام.

الحل ما عبرت عنه كافة الأطياف للبعثة الأممية التي تسعى لايجاد توافق بقدر الامكان بين المتنازعين الليبيين ولعلي أعيد وأكرر أن ما اعلنه الدكتور غسان سلامة هو استنباط لما يفكر فيه عقلاء ليبيا فهو لم يعيد اختراع العجلة ولا يفرض أفكارا من عندياته وليس من المنصف أن نعلق فشلنا على شماعة البعثة الأممية ورئيسها.

هذه هي الرؤية التي تبنيتها وأتبناها عن قناعة تامة وصولا الى مرحلة التهدئة الضرورية لنتمكن من التفكير في مستقبل دولتنا وقد تخلصنا من الذين يسعون الى حكمها وليس لديهم الا الطموح الشخصي ليحل محل الذي أسقط بارادة الشعب.

رجاء اوقفوا ممارسة سلوكيات العناد فهي ما أوصلنا الى ما نحن فيه من مآسي.


عبد الرحمن الشاطر

عضو المجلس الأعلى للدولة

14-01-2019