أحمد الدايخ/ كاتب ليبي


بعد فبراير 2011 م أصبحت مهنة الإعلام تعتمد على الارتجال والعفوية ، وتصدّر لها كثير من الناس ولعل طبيعة المرحلة الثورية فـرضـت كثير من العناصر والركائز لطبيعة الإعلام في تلك الفترة ، حيث كثر الإعلاميون وكثرت الصحف والمجلات والراديوات ، وأيضاً مسألة الخروج من عباءة نظام شمولـي يسيطر فيه على كل شـيء ، جعلت النفس العام يرفض فكرة وجود وزارة إعلام ، بل وذهب بعضهم إلى ضرورة عدم امتلاك الحكومة لقناة ناطقة باسمها لئلا تعود هيمنة السلطة على الإعلام .
ثم انتقلنا لإعلام ما بعد التحرير والذي استصحب معه سمة العفوية والارتجال وعدم المهنية ليضيف إليها التحريض والتشويش والتأجيج فكانت هي السمة الغالبة على إعلام ما بعد التحرير ، حيث كثر التنافس غير المحمود على السلطة وعلى الكتائب والمعسكرات و العطاءات المالية في غياب تام للأجهزة الضبطية والرقابية والقضائية .
حاول الإعلاميون وعلى فترات متباعدة التواضع على ميثاق شرف إعلامـي ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل وملتقياتهم أيضاً خلُـصت إلى حالة من الشغب والفوضى وأحياناً الضرب والاعتداء .
وبعد تبني خيار الحوار في محاولة للخروج بالبلاد من الاختناق السياسي والاحتراب والاقتتال الذي وصلت إليه ، ظهر تيار إعلامي ينادي بضرورة تبني خطاب تهدئة بعيد عن التحريض والتأجيج ولا يغذي الصراع القائم ويحاول أن يوازن بين حرية الرأي و ضرورة بناء الدولة ، وحق المواطن في التعبير وحق الدولة في النهوض ، يتم ذلك عبر كوادر إعلامية مهنية و مدربة تدريباً جيداً على دقة المعلومة وصحة النقل والتوثيق ، لتعمل هذه القنوات ضمن معادلة دقيقة تراعي كل ما سلف فيجد فيها المواطن المعلومة الصحيحة النافعة .

وبدأت هذه القنوات مسيرتها بجانب حوار الصخيرات ومن ثم مسودات الاتفاق ومن ثم الوفاق وصولاً إلى تشكيل المجلس الرئاسي والذي حط رحاله في طرابلس ، وصرفت أموال كثيرة على هذه القنوات من جهات تدعم الوفاق ، ولكن ومن الملاحظ عند وصول هذه القنوات لمنتصف مسيرتها بدأت في حالة من الوهن والانفصال عن الواقع ، و بدأت شكوك مموليها تتقافز في اتجاه عدم نجاحها وعدم قدرتها على جذب الناس إليها وانصرافهم عنها ، و لعل تخمينهم فيه الكثير من الصحة وذلك عائد في نظري لعدة أسباب :

أولاً : تركيز هذه القنوات على الهيكل الإداري والتراتبية البيروقراطية والمخصصات المالية والذي جاء على حساب العمل الإعلامي والفني ، فالعمل الفني والذي هو صلب القناة الإعلامي وعصبها القائم لم نجد له في هذه القنوات كثير وجود أو تكرار ومما لا يخفى على أحد أهمية العمل الفني في عصر الانبهار بالصورة .

ثانياً : لم تجد هذه القنوات مادة إعلامية تعمل عليها ، فلم يكن هناك منجزات على الأرض من قبل حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي على الأقل مقابل الدعاية والبرباغندا التي صاحبت وصوله بأيام ، فجاءت المادة باهتة وغير ملبية لطموح الناس .
ثالثاً : هناك أحداث على الأرض تفرض نفسها وصراع حاصل ، ونقله للناس إعلامياً يحتاج إلى تعامل دقيق وحساسية عالية ، ولكن تبقى عملية نقله وتوضيحه مسألة ضرورية ومهمة بالنسبة لقناة إعلامية ولكن تجاهله سينعكس سلباً على القناة ، وسيتصدر غيرها من الوسائل ليملأ جهل الناس وشغفهم للمعرفة بما أراد ، حيث غابت هذه القنوات على أحداث مهمة ومصيرية وآثرت عليها فيلم وثائقي يتحدث عن البطريق في القطب المتجمد أو إعادة لمباراة من الدوري الليبي .
رابعاً : حاولت هذه القنوات جاهدة عبر غرفها التحريرية أن تعمل على رسم سياسة واضحة المعالم راعت فيها حتى الألفاظ والمصطلحات المستخدم ابتعاداً وتجنباً للتحريض والتأجيج ، ولكن في رأيي وقع خلط بين الخطاب التحريضي والتوضيحي من قِبل هذه القنوات فضاع الثاني بدعوى إلغاء الأول .
خامساً : العمل تحت ضغط ( الخوف من التصنيف) وهو موجة اجتاحت البلاد بعد فبراير ، ولّد بيئة لدى هذه القنوات مرتبكة وغير مستقرة تتنازعها الآراء والأهواء أثر على جودة المخرجات الإعلامية لهذه القنوات .
سادساً : كطبيعة أي عمل يضعف فيه الجانب الرقابي سينتشر فيه الفساد وتنشأ اللوبيات والمحاباة على حساب العمل المؤسسي الممنهج ، وهذا ما حصل للقنوات التابعة للوفاق .