مطلبنا الحُرِّيّة ؟! ، قضَينا ما يُقارب السبع سنوات عِجاف لنَتَيَقَّن من حقيقة المعنى الفِعلِيّ للجُملة : أن نتحرَّر من أيّ سُلطات تَحول دون أن نتَغَوَّل على بعضنا ، أن نتحَرّر من القوانين التي كانت قائِمة لتَحمينا ( كما النظام ) من شرور المُتطرِّفين ، أن نُؤَسِّس لشريعَةٍ فاقت شراستها شريعة الغاب.

يحضرني قَول طرفة بن العبد " ستُبدي لكَ الأيّام ما كُنتَ جاهِلًا " كُلّما تذكَّرتُ تفاصيل ما حدث لنا، وعضضتُ أصابع النَّدم على جهلٍ وسعيٍ للتغيير للأفضَل أعماني عن كُلِّ ما كان يُدَبَّر لنا أدرَكَهُ بالفِطرة البُسطاء وغَفلَ عنهُ مُعظم مَن ادّعى الثقافة والعِلم والاطِّلاع !.

أدرَكْنا مُتأخِّرًا أنَّ جُلّ ، بل أكادُ أقول كُلّ ، مَن سعى للإطاحة بالقذافي إنّما كان يحسده ولم يَكُن يعنيه الشعب في شيء ، وأثبتت لنا الأيّام أنّ من وصل لأيِّ منصبٍ كانْ لا يتركه مُستخدِمًا شتّى الوسائل للبقاء بما في ذلك الميليشيات المُسلّحَة فكيف لنا أن تستغرب استماتة القذافي في التشبث بسلطته التي كان لليبيا فيها كيان مُهاب مُستخدِمًا في ذلك بعض أموال الدولة فانتهينا إلى هدر كُلّ أموال الدولة (وجُلّها موروث من النظام السابق) لنتحَوّل إلى كيان فاشل مُتناحِر ومُستباح.

مطلبنا الحرية ؟! ، ها هي الحُرية التي طلبناها تتحَوّل إلى جحيم نُكابدهُ ونُعانيه في حياتنا اليومية بعد أن سَلبَنا النصّابون ( مِمَّن سُمُّوا صِدقًا بشُذّاذ الآفاق ) مُقدَّرات البلد وتدهور كُلّ شيء فيها دون استثناء ورجَعَ جُلّهم إلى مواطنهم الثانية وبقى بعضهم ليستنزف ما تَبَقّى.

مطلبنا الحرية ؟! ، لنكتشف حقيقتنا البشعة حين انطلقنا عقب أحداث فبراير زاحفين كأسراب الجراد على كُلّ مشاريع الدولة ننهب ما تطاله أيدينا بصورةٍ بهائمِيّة فاستحالت المشاريع الزراعية إلى قاعٍ صَفصَف ومُنشآت الدولة السكنية وغيرها إلى أطلال وتحوّلنا من دولةٍ مستوردةٍ للنحاس المُصنَّع ومعادن أُخرى إلى أفراد مُفرِّطين بخُردتها بثمنٍ بخس بعد أن طالت الأيادي القذرة خطوط نقل الطاقة وتمّ تخريد المصانع وحتى أغطية غُرف تفتيش المجاري لم تسلم من ذلك ، ولِمَن أراد الوقوف على مغزى كلامي وحُرقتي أن يزور أيّ مشروع زراعي سابق يختاره أو أن يتأمّل ( كمثال ) في مآل مركز بحوث التقنيات الحيوية الذي كان يزخر بتجهيزات قيمتها عشرات الملايين نُهِبَ كُلّ ما كان قابلًا للخَلع والنقل وبقِيَت أطلالًا إسمنتيّة.

مطلبنا الحرية ؟! ، لتَتَحَوّلَ تِلك الحرية إلى استخفاف بأرواح الناس وأعراضهم ومُمتلكاتهم واستُحدِثت مصطلحات التمشيط والفِدية وصارت الحياة كابوسًا دائِمًا نعيشه بكُلِّ تفاصيله الأمنِيّة المُرعِبة ناهيك عن التفاصيل المعيشيّة البائسة من غلاءٍ مُفرط وشحّ سيولة وفاقة وانقطاع الكهرباء والوقود وغير ذلك مِمّا لا يخفى على أحد.

مطلبنا الحرية ؟! ، لنترُك للتشكيلات المُسلّحة أن تُرشِّح من تراهم للسياحة العلاجيّة والسياحة الدراسيّة وللتُّخمة الوظيفيّة بأعدادٍ خياليّة ومُرتّبات فلكيّة لسفاراتنا وقنصلياتنا على حساب معاناة وفاقة السواد الأعظم من الشعب.

مطلبنا الحرية ؟! ، ونحنُ تركنا الأبواب مُشرعة لكافّة أشكال الفساد وعلى جميع المستويات دون أيّ رادع بعد أن كان موجودًا في النظام السابق ( دون أن أُبَرِّر له ) بصورةٍ مُتَحَكَّم فيها ومدروسة بعناية.

مطلبنا الحرية ؟! ، إذا كان القصد حُرِّيَّة التعبير فقد كانت في أواخر عهد النظام السابق أفضل منها الآن وللإستدلال فقط كأمثلة لكُم أن تقرأوا مقالتي " نُحبّك يا ليبيا فاحذري " أثناء أحداث فبراير وقصيدتي " رسالة من مواطن إلى الحاكم العربي " قبل الأحداث وكلاهما ، كما كُلّ ما نشرتُ ، منشور بإسمي الثلاثي وصِفتي وصورتي وعنواني.

مطلبنا الحرية ؟! ، أيّ حرية وجُلّ من انتخبناه لمنصب تنكَّر للناخِب ولم يَعُد يكترث لمعاناته ، وصار همّه الوحيد هو ( قدّاش يحشّ لشكارته ) وأن يتمسّك بمنصبه بشتّى الوسائل فلماذا كما أسلفتُ لُمنا معمّر القذافي على استماتته وتشبّثه بالمنصب و" كلّنا معمّر القذافي " ؟!.

أيّ حُرِّيَّة ونحنُ بهذا الانحطاط ؟!. لقد أثبتت الأيام أنّ خَير وسيلة تُناسبنا هي العَصا، ولصاحبها أن يَمنَّ بالجزرة إن تكرَّم. لَكُم أن تعتبروا أنّ هذا هو نوع من جَلد الذات بَعد أن وقفنا على القَول " لو اطّلعتُم على الغيبِ لاختَرتُم الواقِع " ووصلنا إلى مغزى المثل الشعبي " ما تشكُرني لين تجرِّب غيري ".

كنتُ مُعارِضًا سِلميًّا وبالرأي والأرشيف خَير شاهِد وسأبقى، غايَتي ومُرادي دَومًا السّعي نحو الأفضَل ، وبالبَدءِ فرحتُ بانتفاضة فبراير لقِصر نظرٍ مِنّي أثبته الواقِع.